المنجي بوسنينة
25
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
يحقّق لذاته كمالها الأقصى دون أن يكون عليه خدمة الغير والجماعة ؟ نعم ، لقد اعترف ابن باجة بأهمّية الدولة في تحقيق الكمال الأخلاقي للفرد ، إلا أنّه لم يجعل كمالها شرطا ضروريّا لكمال الفيلسوف . ولهذا كان اهتمامه بالاجتماع المدني فقط باعتباره مجالا يحقق فيه المتوحّد سعادته الخاصّة . ولذلك لم ينصح المتوحّد لا بالهجرة من المدينة الفاسدة ، ولا بالاهتمام بإصلاحها ؛ وإنّما نصحه بالعزلة ، أو بصحبة نظرائه من أهل العلم والمعرفة . وهي هجرة روحيّة إلى وطن العلماء ولو في داخل المدينة الناقصة . ومع ذلك فإنّنا نجد ابن باجة يلمّح إلى إمكانية تحوّل المدينة الناقصة إلى مدينة كاملة إذا ما وجد فيها جمع من « النوابت » ، وهم أفراد لهم آراء صادقة وأفعال فاضلة . ويمكن تحقيق الغاية القصوى للمتوحّد بطريقين : الطريق الشرعي . الصوفي ، الذي لا يكون بإرادة واختيار ، وإنّما بموهبة إلهيّة يهبها اللّه لمن يشاء ، كما لا تحصل السعادة فيه بالعقل والعلم وإنّما بالحواس والخيال والذكر . أمّا الطريق الطبيعي ، فيكون بالعلم والإرادة والاختيار . وقد أنشأ لهذا الطريق تدبيرا جديدا سمّاه ب « تدبير المتوحّد » ، من أجل تنظيم الحياة العلميّة والفلسفيّة للفرد . وجعله في مرتبة بين العلم الطبيعي والعلم المدني ، موظفا فيه نظريات طبيعيّة وسيكولوجيّة ومعرفيّة وميتافيزيقيّة متعدّدة ، كنظريّة الحركة والمحرّك ، ونظريّة الفعل ، ونظريّة الكمال والغاية ، ونظريّة الصور الروحانيّة ، ونظريّة العقل ، ونظريّة البرهان ، ونظريّة الاتّصال ، ونظريّة أنواع المدن والسير . . . إلخ . والغاية من « تدبير المتوحّد » تحقيق كمالين : الكمال الأخلاقي الذي يمكّن الإنسان من التحرّر النسبي من النفس البهيميّة وإخضاعها للنفس الناطقة ، ثمّ الكمال العقلي الذي يتخلّص فيه نهائيّا من تأثير النفس البهيميّة . ويمرّ الكمال العقلي بثلاثة أطوار : طور « المعرفة العلميّة » ، وموضوعها الموجودات الطّبيعيّة ؛ وطور « الوعي » ، وموضوعه الذات العاقلة ؛ وطور « الاتّصال » ، وموضوعه العقل . وفي هذا الطور يصبح العقل صورة الإنسان ، أي يصير الإنسان عقلا ، وهو الكمال الأقصى للإنسان الذي يقرّبه من اللّه ، لأنّ العقل والعلم أقرب الموجودات إليه . وبهذا النحو يكون ابن باجة قد حقّق الاتصال بالانفصال عن الشرط المدني وربما حتى عن الشرط المعرفي . وإذا كان التحرّر من الأفعال البهيميّة الجسمانيّة هو من أجل تحصيل الأفعال الإنسانية الروحانيّة ، وتحصيل هذه الأفعال من أجل الأفعال العقلية ، فإنّ هذه الأخيرة تنفرد بكونها تقصد لذاتها لا لغيرها . وقد أوحت له هذه التبعية بتصنيف الناس حسب مبدأ خدمة الغير إلى ثلاث مراتب : 1 ) المرتبة الجسمانية الخالصة : ويكون فيها الإنسان خادما لغيره عبدا له ، لأن أفعاله غير إنسانية تصدر عن غير رويّة واختيار . 2 ) المرتبة الجسمانيّة الروحانيّة : وهي فئة من الناس استطاعت إخضاع النفس البهيمية للنفس العاقلة دون أن تقطع معها ، فيكسب أصحابها الفضائل الأخلاقيّة ، ولكنّهم بأفعالهم ما زالوا يخدمون غيرهم . ويدخل ابن باجة ضمن هذه الفئة العلماء والمتصوّفة . 3 ) أما المرتبة العقلية من الناس فإن صاحبها يتمكن ، بالإضافة إلى السعادة الأخلاقية ، من